التسجيل الصوتي كدليل من أدلة الإثبات في الشكاوى الجنائية هل احتاج الى استشارة محامي؟

الكاتب: المحامي حارث الوزان

(المكالمات التلفونية)

لم يعد الإثبات الجزائي مقتصراً على الوسائل والأدلة التقليدية، بل دخلت التكنولوجيا والوسائل العلمية والفنية والتقنية في هذا المجال وبما يسمى بـ (الدليل الإلكتروني) كالتسجيلات الصوتية وكاميرات المراقبة.

هذه التطورات في مجال التكنولوجيا أتاحت للمحكمة وقاضي التحقيق والمحقق أن يستند إلى الأدلة الإلكترونية في مجال إثبات الواقعة الجرمية انسجاماً مع السلطة الواسعة الممنوحة لهم في فحص الأدلة المتحصلة وتقديرها وبما يحصل لهم من قناعة.

مادام أن الهدف من هذه الأدلة الإلكترونية والأدلة التقليدية الأخرى هو واحد ألا وهو كشف الحقيقة وبيان مدى نسبة الجريمة للمتهم.

فالدليل الرقمي هو نتاج مجموعة من البيانات التي عادة ما تكون في شكل حروف أو أرقام أو أشكال خاصة أو غيرها لتشكل موضوعاً معيناً، وعُرف الدليل الرقمي بأنه “أية معلومات إلكترونية لها قوة أو قيمة ثبوتية مخزنة أو منقولة أو مستخرجة أو مأخوذة من أجهزة الحاسب أو الشبكات المعلوماتية وما في حكمها والممكن تجميعه وتحليله باستخدام أجهزة أو برامج أو تطبيقات تكنولوجية خاصة”.

وتبرز أهمية الأدلة الرقمية أو الإلكترونية خصوصاً مع ظهور الجرائم الجديدة الخاصة بتقنية المعلومات، حيث أصبحت الطرق التقليدية غير ملائمة لإثباتها.

ومن أبرز مصادر الدليل الرقمي الهواتف المحمولة كونها أكثر الأجهزة الإلكترونية استعمالاً وقد تنتج عنها جرائم معينة، وتعتبر المكالمات الهاتفية أحد أساليب الحياة الخاصة للناس ومستودع أسرارهم، فحرمة الأحاديث عبر المكالمات التلفونية حق من حقوق الإنسان لا يجوز تسجيلها إلا بأمر قضائي، حيث إن مراقبة تلك المكالمات التلفونية دون استحصال ذلك الأمر القضائي يعتبر اعتداءً على حرمة الحياة الخاصة والذي يؤدي ذلك الاعتداء بدوره إلى الاعتداء على الحرية، لذا دعا البعض إلى إهدار الأدلة المستمدة من المراقبة غير المشروعة.

لذلك نرى بأن أغلب التشريعات الجزائية لم تجز مراقبة المكالمات الهاتفية دون الحصول على أمر مسبب من القاضي المختص، وحيث إن القضاء هو حارس الحريات فإنه بالتأكيد لا يسمح بالتنصت على المكالمات التلفونية وتسجيلها إلا عندما تتوفر أدلة عن جريمة ما تحتاج إلى أن يتم دعمها بالتنصت.

كما اشترطت بعض التشريعات لاستحصال الإذن بالمراقبة ضرورة تعلقها بجريمة جناية أو جنحة، وبهذا الخصوص نجد بأن محكمة النقض المصرية قد استقر رأيها في اعتبار تسجيل المحادثات عملاً من أعمال التحقيق باعتبارها وسيلة لضبط جرائم معينة، كما استقر رأي القضاء الفرنسي على مراعاة حقوق الدفاع عند إجراء مراقبة المحادثات التلفونية واعتبر الإخلال بذلك يؤدي إلى بطلان الإجراءات، وأن مراعاة حقوق الدفاع في مجال مراقبة المحادثات التلفونية يقتضي عدم استخدام الغش أو الخداع مع تمكين الدفاع من سماع التسجيلات الصوتية والاطلاع على محاضر تفريغ هذه التسجيلات وتمكينه من مناقشتها خلال التحقيق، واحتراماً لحقوق الدفاع فإن المشرع الفرنسي يلزم قاضي التحقيق بعرض التسجيلات ومحاضر تفريغها على المتهم ومحاميه قبل أي استجواب.

وتحتاج التسجيلات الصوتية كأحد الأدلة الرقمية إلى الاستعانة بالخبرة (خبراء الأدلة الجنائية) من المختصين بنظم البرمجة والتقنيات الفنية لتحليل تلك التسجيلات ومدى انطباق الصوت مع صوت المتهم بعد أخذ بصمة صوته حالها حال الأدلة الرقمية الأخرى كالحاسوب وجهاز اللابتوب.

وللدليل الإلكتروني حجية في الإثبات حاله حال الدليل التقليدي كلما اطمأنت إليه المحكمة وقاضي التحقيق والمحقق، معززين رأيهم بتقارير الخبراء المختصين في هذا المجال في ثبوت بصمة الصوت للمتهم من عدم ثبوتها. لذا ندعو الحكومة ومجلس النواب إلى السعي في إصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات لما له من أهمية في مكافحة تلك الجرائم التي كثرت في الوقت الحالي خصوصاً ما يتعلق ببطاقات الدفع الإلكتروني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *