
الكاتب: المحامي حارث الوزان
يُعد إعطاء صك (شيّك) على بياض من الممارسات الخطيرة والمحفوفة بالمخاطر في التعاملات المالية والمعاملات التجارية. ورغم انتشار هذه الظاهرة بين الأفراد والشركات للضمان أو التسهيل المالي، إلا أن التشريع والقضاء العراقي يتعاملان معها بصرامة حمايةً للوظيفة الاقتصادية للصك باعتباره أداة وفاء وليس أداة ضمان.
مفهوم الصك على بياض
الصك على بياض هو الصك الذي يوقعه الساحب (صاحب الحساب) ويُسلمه إلى المستفيد مع خلوه من بعض البيانات الجوهرية التي نص عليها القانون، مثل المبلغ أو تاريخ الاستحقاق أو اسم المستفيد، مع تفويض المستفيد (صراحةً أو ضمناً) بملء هذه البيانات لاحقاً بناءً على اتفاق معين بين الطرفين.
الطبيعة القانونية وعقوبة إعطاء صك على بياض
يتناول القانون العراقي (قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 وقانون التجارة رقم 30 لسنة 1984) التعامل بالصكوك من جانبين أساسيين:
1. عقوبة التحرير والإصدار (المادة 459 من قانون العقوبات)
تنص المادة 459 من قانون العقوبات العراقي على عقوبة الحبس (الذي قد يصل إلى 5 سنوات) و/أو الغرامة لكل من أعطى بسوء نية صكاً وهو يعلم بأن ليس له مقابل وفاء قائم وقابل للسحب.
- تكييف التوقيع على بياض: إعطاء الصك مُوقعاً على بياض يُعد في نظر القانون “إصداراً لصك كامل الأركان” متى ما استوفى بياناته لاحقاً. ولا يُقبل أمام المحكمة عذر الساحب بأنه سلم الصك “على بياض” أو “على سبيل الضمان” لنفي الجريمة عن نفسه؛ إذ يعتبر القضاء العراقي أن الساحب بتوقيعه قد فوض المستفيد بكتابة المبلغ، وبالتالي يتنازل عن حمايته القانونية المتعلقة بقيمة المبلغ المدون.
2. عقوبة إساءة أمانة أو خيانة الأمانة (المادة 453 أو المادة 295)
إذا قام المستفيد بملء الصك بمبلغ أعلى بكثير من المتفق عليه بينه وبين الساحب، أو بخلاف الشروط المتفق عليها:
- يُمكن للساحب إقامة دعوى خيانة أمانة ضد المستفيد، لكن يقع عبء الإثبات كاملاً على الساحب لتأكيد وجود الاتفاق المخالف بالدليل الكتابي أو القرائن القاطعة.
- وفي حال قام المستفيد بتغيير أو تحريف بيانات مكتوبة سابقاً دون تفويض، فقد تُصنف الجريمة حينها كـ تزوير معنوي أو مادي في محرر عادي.
المخاطر القانونية والعملية لإعطاء الصك على بياض
- افتراض الوفاء الفوري: الصك في القانون العراقي واجب الدفع بمجرد الاطلاع عليه، وتدوين تاريخ مستقبلي أو ترك البيانات فارغة لا يمنع الحامل من استيفاء قيمته أو تقديم شكوى جزائية فور ملئه.
- صعوبة الإثبات: صعوبة إثبات أن الصك أُعطي على بياض أو للضمان فقط، حيث تأخذ المحاكم بالظاهر الشكلي للصك المكتمل عند التقديم.
- المسؤولية الجزائية المشددة: تعرض الساحب لعقوبة الحبس الصارمة وتجميد الحسابات المصرفية في حال عدم وجود رصيد كافٍ للمبلغ الذي كتبه المستفيد.
موقف القضاء العراقي
استقر القضاء العراقي (محكمة التمييز الاتحادية) على أن الصك أداة وفاء تقوم مقام النقود وليست أداة ضمان. وبالتالي، فإن الادعاء بكون الصك أُعطي “على بياض” أو “لضمان دين” لا ينفي الجريمة عن الساحب بموجب المادة 459 من قانون العقوبات متى ما تحقق عدم وجود رصيد كافٍ وقت تقديمه للصرف.
