في ظل الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، واجه القضاء العراقي طفرة في القضايا المتعلقة بجرائم النشر الرقمي، لا سيما تلك التي تمس الآداب العامة والنظام الاجتماعي. ويُعد نشر المقاطع الإباحية أو المحتويات التي تخدش الحياء من الجرائم التي أفرد لها المشرّع العراقي نصوصاً عقابية صارمة لحماية القيم الأخلاقية للمجتمع.
في هذا المقال، نسلط الضوء على التكييف القانوني لهذه الأفعال والعقوبات المترتبة عليها وفقاً للقوانين العراقية النافذة.
التكييف القانوني والجريمة المشهودة
يعتمد القضاء العراقي في تكييف قضايا نشر المقاطع الإباحية والمحتوى الهابط على عدة نصوص قانونية، أبرزها ما جاء في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل.
تُصنف هذه الأفعال عموماً تحت باب “الجرائم المخلة بالآداب العامة”، وتتحرك الشكوى فيها عادة عبر رصد الأجهزة الأمنية (مثل مديرية مكافحة الجرائم الإلكترونية) أو من خلال البلاغات والمواطنين، وتعتبر في كثير من الأحيان من الجرائم المشهودة إذا كان المحتوى متاحاً للعامة عبر الإنترنت.
العقوبات المقررة في قانون العقوبات العراقي
تستند المحاكم العراقية في إصدار أحكامها بحق صناع أو ناشري المحتوى الإباحي إلى المواد التالية:
1. المادة 403 (صناعة ونشر المواد المخلة بالآداب)
تُعاقب هذه المادة بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من:
- صنع، أو صوّر، أو حاز، أو نقل بقصد الاستغلال أو التوزيع أو العرض، كتاباً أو مطبوعاً أو كتابات أو رسوماً أو صوراً أو أفلاماً أو رموزاً أو غير ذلك من الأشياء إذا كانت مخلة بالآداب أو الحياء العام.
- ويعاقب بالعقوبة ذاتها كل من أعلن عن شيء من ذلك أو اتجر فيه أو وزعه أو عرضه على أنظار الجمهور.
مستوى العقوبة: تصل عقوبة الحبس في هذه المادة إلى سنتين وفقاً للقواعد العامة لتصنيف عقوبة الحبس المجهد أو البسيط، مع فرض غرامات مالية تقدّرها المحكمة.
2. المادة 402 (الفعل الفاضح العلني)
إذا اقترن النشر بالظهور الشخصي في أوضاع مخلة أو القيام بحركات إباحية بشكل علني عبر البث المباشر أو مقاطع الفيديو، فقد تكيف الجريمة أيضاً تحت مادة الفعل الفاضح العلني، والتي تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة مالية.
القوانين الساندة والمقترحة
مع غياب قانون خاص ومستقل للجرائم المعلوماتية (الأمن السيبراني) حتى الآن في العراق، يواجه القضاء تحدي التطور التكنولوجي بالاعتماد على النصوص التقليدية لقانون العقوبات من خلال تفسير “العلنية” لتشمل الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تيك توك، إنستغرام، وغيرها).
بالإضافة إلى ذلك، تلعب تعليمات هيئة الإعلام والاتصالات دوراً تنظيماً في حظر وحجب المواقع والمنصات التي تروج لهذه المقاطع، وملاحقة الحسابات التي تنتهك لائحة قواعد البث الإعلامي الرقمي.
ظروف تشديد العقوبة
تتجه المحاكم العراقية في الآونة الأخيرة (ضمن حملات مكافحة المحتوى الهابط والمخل بالآداب) إلى تطبيق أقصى العقوبات المتاحة قانوناً في حال توفر ظروف مشددة، ومنها:
- استهداف القاصرين: إذا كان المحتوى المشر ينطوي على استغلال أطفال أو قاصرين، أو موجه للتأثير عليهم.
- الابتزاز الإلكتروني: إذا كان نشر المقاطع الإباحية ناتجاً عن عملية ابتزاز للضحية بهدف الحصول على منافع مالية أو جنسية، وهنا تدخل مواد قانونية أخرى أشد وطأة تصل عقوبتها إلى السجن لعدة سنوات (مثل المادة 452 من قانون العقوبات).
- التكرار: إذا كان المتهم من أصحاب السوابق في نشر مثل هذه المحتويات.
خلاصة قانونية: إن القضاء العراقي يتعامل بحزم مع قضايا نشر المقاطع الإباحية والمحتوى الخادش للحياء، معتبراً أن الفضاء الرقمي ينطبق عليه ما ينطبق على الواقع الحقيقي من حيث الالتزام بالآداب العامة، وأن حرية التعبير المكفولة دستورياً تنتهي تماماً عند حدود المساس بكرامة المجتمع وقيمه الأخلاقية.
