تجديد القوة التنفيذية للحكم القضائي بعد مضي سبع سنوات على اكتسابه درجة البتات

الكاتب: المحامي حارث الوزان

ان الاحكام القضائية المكتسبة الدرجة القطعية في حال عدم تنفيذها خلال مدة سبع سنوات فلا يمكن للطرف الذي استحصل على حكم قضائي من مراجعة مديرية التنفيذ لغرض تنفيذه ذلك ان القرار قد فقد قوته التنفيذية

وهنا يثور موضوع تجديد القوة التنفيذية للحكم القضائي في منطقة دقيقة تقع بين بقاء الحكم من حيث حجيته، وبين قابليته للتنفيذ من حيث أثره العملي فالحكم الذي اكتسب درجة البتات لا يفقد وجوده القانوني لمجرد مرور الزمن، ولا تزول الحجية التي اكتسبها باعتباره قولاً قضائيًا فاصلاً في النزاع غير أن هذه الحجية لا تعني أن باب التنفيذ يبقى مفتوحًا إلى غير نهاية، إذ رسم قانون التنفيذ رقم (45) لسنة 1980 المعدل حدًا زمنيًا لقبول تنفيذ الحكم، مؤداه أن الحكم لا يقبل تنفيذه إذا مضت سبع سنوات على اكتسابه درجة البتات، ما لم تُجدد قوته التنفيذية وفق الطريق القانوني المقرر ، ومن هنا تبدو أهمية هذا الموضوع؛ لأن الإشكال لا يتعلق بإحياء حكم زال، ولا بإعادة نظر نزاع سبق حسمه، وإنما بإعادة تفعيل القوة التنفيذية لحكم بات بقي قائمًا في حجيته، لكنه فقد قابليته العملية على النفاذ بمرور المدة.

وقد اكدت محكمة التمييز الاتحادية على الأصل العام لهذا الاتجاه في قرارها رقم (268- الهيئة الموسعة المدنية -2023) المؤرخ في 25-7-2023 حين قررت أن الحكم إذا فقد قوته التنفيذية وفق المادة (114) من قانون التنفيذ، فإن لصاحب المصلحة أن يطلب من المحكمة المختصة تجديد هذه القوة متى كان الحكم لم يُنفذ، ومضت عليه المدة القانونية المانعة من التنفيذ ، وأهمية هذا القرار أنه نقل المسألة من دائرة السقوط أو الانعدام إلى دائرة أدق، هي دائرة فقدان القابلية التنفيذية، فالحكم هنا لا يموت، ولا ينهدم أثره القضائي، وإنما يحتاج إلى دعوى مستقلة تعيد له قدرته على الدخول إلى ميدان التنفيذ ، وبهذا وضعت المحكمة قاعدة أولى مفادها أن التجديد لا ينصب على أصل الحق المحكوم به، وإنما على وسيلة اقتضائه تنفيذًا.

ثم جاء القرار المرقم (9809-9258- الهيئة المدنية -2023) المؤرخ في 18-10-2023 ليقدم تطبيقًا عمليًا اخر لهذا الأصل، فقد قررت المحكمة جواز تجديد القوة التنفيذية لحكم اكتسب درجة البتات ولم يتم تنفيذه رغم مرور المدة المنصوص عليها في المادة (114) من قانون التنفيذ ولم يكن هذا القرار مجرد تكرار للمبدأ، بل كشف عن وظيفته التطبيقية؛ إذ إن صاحب الحق لا يطلب من المحكمة أن تعيد بحث النزاع، ولا أن تنشئ له حقًا جديدًا، بل أن تمكنه من تنفيذ حكم بات تعذر تنفيذه بسبب مضي المدة، وبذلك يتأكد أن دعوى التجديد هي وسيلة لإعادة الحكم إلى دائرة التنفيذ، لا وسيلة لإعادة الخصومة إلى نقطة البداية.

وتتضح دقة هذا البناء أكثر في القرار المرقم (4004-الهيئة المدنية-2024) المؤرخ في 17-4-2024، إذ واجهت المحكمة خلطًا بين تقادم الدعوى المدنية وبين المدة المانعة من تنفيذ الحكم، فقد كانت محكمة البداءة قد ردت الدعوى على أساس التقادم استنادًا إلى المادة (429) من القانون المدني، غير أن محكمة التمييز نقضت هذا الاتجاه وقررت أن الأحكام القضائية المكتسبة درجة البتات لا تتقادم بمرور الزمن، وإنما الذي يطرأ عليها هو عدم قبول تنفيذها بعد مرور سبع سنوات على اكتسابها درجة البتات، مما يقتضي تجديد قوتها التنفيذية وهذا القرار هو مركز الثقل في الموضوع؛ لأنه يضع التوصيف القانوني في موضعه الصحيح: لسنا أمام تقادم للحكم، ولا سقوط للحق الثابت به، بل أمام تعطّل في قابلية التنفيذ يستلزم طريقًا خاصًا لإعادة تفعيلها.

غير أن قضاء محكمة التمييز الاتحادية لم يفتح هذا الطريق بإطلاق، بل وضع له حدًا مهمًا ففي القرار المرقم (4234- الهيئة المدنية-2025) المؤرخ في 27-4-2025، حين قرر أن الحكم المطلوب تجديد قوته التنفيذية إذا كان منقوضًا من جهة الطعن المختصة، فإنه لا يجوز تجديد قوته التنفيذية، لأنه فقد حجيته أصلاً وعللت المحكمة ذلك بأن التجديد إنما يكون للأحكام المصدقة تمييزًا والحائزة درجة البتات، أما الحكم المنقوض فقد زالت حجيته وعاد الخصوم إلى مراكزهم الأولى أمام محكمة الموضوع وهذه الفقرة القضائية بالغة الأهمية؛ لأنها تمنع استعمال دعوى التجديد لإحياء حكم لم يعد قائمًا قانونًا فالتجديد لا يرد إلا على حكم بات محتفظ بحجيته، لا على حكم أزيل أثره بالنقض.

ثم جاء القرار المرقم (217- الهيئة الموسعة المدنية -2025) المؤرخ في 26-8-2025 ليكمل حدود هذا النظام من زاويتين متلازمتين: الأولى أن دعوى تجديد القوة التنفيذية لا تفتح باب البحث في أصل الحق المحكوم به، لأنها لا تعد طريقًا لمراجعة الحكم أو إعادة الخصومة، وإنما تنحصر وظيفتها في استعادة القدرة على تنفيذ حكم بات فقد قوته التنفيذية بسبب مضي المدة، والثانية أن هذا النظام ينصرف إلى الأحكام القضائية الباتة، ولا يسري على الحجج، ومنها حجة التخارج، لأن هذه الحجج تخضع لنظام قانوني خاص، ومن ذلك ما نصت عليه المادة (248) من قانون التسجيل العقاري رقم (43) لسنة 1971 المعدل بشأن عدم تنفيذ حجة التخارج إذا مضت خمسة عشرة سنة على صدورها، وبهذا القرار رسمت المحكمة حدًا مزدوجًا لدعوى التجديد لا مساس بأصل الحق، ولا امتداد إلى غير الأحكام القضائية الباتة.

ومن مجموع هذه القرارات يتضح أن محكمة التمييز الاتحادية بنت موقفًا قضائيًا متماسكًا في هذا الباب فقد قررت أولاً جواز تجديد القوة التنفيذية للحكم البات الذي لم ينفذ ومضت عليه المدة القانونية، ثم أكدت أن الدعوى لا تعيد بحث النزاع وإنما تعيد الحكم إلى دائرة التنفيذ، ثم صححت الخلط بين تقادم الحكم وفقدان قابليته للتنفيذ، وبعد ذلك وضعت حدودًا صارمة لهذا الطريق، فلا تجديد لحكم منقوض فقد حجيته، ولا امتداد لهذا النظام إلى الحجج التي لها نظامها القانوني الخاص، وهذا التدرج يكشف أن المحكمة لم تكن بصدد إنشاء طريق فضفاض، بل كانت تضبط علاقة دقيقة بين حجية الحكم وحدود تنفيذه.

والقيمة الأعمق لهذا القضاء أنه يوازن بين اعتبارين متقابلين: فمن جهة، لا يجوز إهدار حكم بات لمجرد مرور الزمن، لأن في ذلك مساسًا بحجية القضاء واستقرار المراكز القانونية، ومن جهة أخرى؛ لا يجوز أن تبقى قابلية التنفيذ ممتدة بلا حد، لأن التنفيذ ذاته يجب أن يخضع لقواعد الاستقرار والانضباط الزمني، فجاءت دعوى تجديد القوة التنفيذية لتكون حلاً وسطًا لا تهدر الحكم، ولا تطلق التنفيذ بلا نهاية، بل تعيد للحكم البات قدرته على النفاذ متى توافرت شروط التجديد.

لذلك، فإن تجديد القوة التنفيذية للحكم القضائي ليس مسألة إجرائية هامشية، بل هو تعبير عن فكرة دقيقة في النظام القضائي؛ قد يبقى الحكم قائمًا بحجيته، لكن تنفيذه يتعطل بمرور الزمن؛ وقد يبقى الحق ثابتًا، لكن الوصول إليه يحتاج إلى إعادة تفعيل الأداة التنفيذية التي خمدت بمضي المدة ومن هنا تكمن أهمية قضاء محكمة التمييز الاتحادية في هذا الموضوع؛ لأنه أعاد ترتيب العلاقة بين الحكم والتنفيذ، وبيّن أن قوة القضاء لا تقاس فقط بصدور الحكم، بل أيضًا بوضوح الطريق القانوني إلى تنفيذه متى تعطلت قوته التنفيذية دون أن تزول حجيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *