أقنعة تسقط في بغداد: كيف تحول “محاربو الفساد” إلى متهمين بنهب العراق؟

الكاتب: المحامي حارث الوزان

على مدار سنوات طويلة، لم يكن الفساد في العراق مجرد سلوك فردي أو انحراف عابر، بل تحول إلى “مؤسسة موازية” تمتلك أدواتها، نفوذها، وحصانتها السياسية. لكن الهزة السياسية العنيفة التي شهدتها البلاد مؤخراً مع إطلاق حملة “صولة الفجر” لمكافحة الفساد، أعادت ترتيب المشهد بشكل غير متوقع، وكشفت عن عمق التناقض الذي يعيشه الشارع العراقي بين ما يسمعه من شعارات في الشاشات وبين ما يحدث خلف الكواليس.

مفارقة عالية نصيف: من منبر الهجوم إلى زنزانة الاتهام

تمثل قضية النائبة عالية نصيف النموذج الأبرز لما يمكن تسميته بـ “فساد الأقنعة”. لسنوات طويلة، بنت نصيف حضورها الإعلامي والسياسي كصوت صارخ يهاجم الفساد، يفتح الملفات الحساسة، ويطلق الاتهامات الثقيلة ضد خصومها تحت لافتة حماية المال العام.

لكن المشهد انقلب رأساً على عقب؛ فالاسم الذي ارتبط بملاحقة الفساد وجد نفسه فجأة في قلب واحدة من أضخم قضايا الكسب غير المشروع. وجاءت التحقيقات الرسمية لتكشف تفاصيل صدمت الشارع العراقي:

  • المداهمات والأموال المخبأة: أسفرت عمليات التفتيش والمداهمة لمنزلها عن ضبط مبالغ مالية ضخمة قُدّرت بأكثر من 15 مليون دولار، إلى جانب كميات كبيرة من الذهب والمقتنيات الثمينة.
  • الواجهات العائلية: امتدت التحقيقات لتشمل شبكات من المقربين، من بينهم نجلها الذي أثيرت حوله الشبهات بسبب امتلاكه لمزارع خيول عربية باهظة الثمن وحيازة أسلحة غير مرخصة.
  • التستر وتسهيل المعاملات: واجهت اتهامات تتعلق بتسهيل عمليات غير قانونية عبر الرشاوى واستخدام النفوذ السياسي لتمرير صفقات مشبوهة والتغطية على ديون شركات تابعة لرموز فساد بارزين (مثل المتورطين في “سرقة القرن”).
كيف تُدار منظومة الفساد السياسي في العراق؟

جريمة الفساد السياسي في العراق لا تقتصر على سرقة مباشرة من الخزينة، بل تعتمد على آليات معقدة تضمن استمرار تدفق الأموال وحماية الفاسدين:

  • الكسب غير المشروع (تضخم الثروات): استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق قفزات مالية لا تتناسب مع الدخل القانوني للمسؤول، وتحويل الأموال إلى أصول عقارية ومزارع داخل وخارج العراق.
  • الشركات الواجهة (غسيل الأموال): تأسيس شركات تجارية وهمية أو حقيقية تدار عبر سماسرة ووسطاء، لتكون المصب النهائي لعقود الدولة المنهوبة، خاصة في قطاعات حيوية مثل النفط والموارد المائية.
  • المحاصصة والابتزاز السياسي: استخدام ملفات الفساد كأدوات للضغط والتسوية بين الكتل السياسية؛ حيث يتستر الفاسدون على بعضهم البعض حتى تختلف المصالح، فيبدأ تبادل الاتهامات علناً.

كلفة الفساد الباهظة: الفساد السياسي ليس مجرد أرقام تُسرق، بل هو السبب المباشر وراء انهيار البنية التحتية، تراجع جودة التعليم والطبابة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر في بلد ينام على بحيرات من النفط الثمين.

هل بدأ فجر المحاسبة الحقيقي؟

الحملة الأخيرة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل استهدفت شبكة واسعة تضم أكثر من 200 شخصية من كبار المسؤولين، والنواب، ووكلاء الوزارات (مثل وكلاء في وزارة النفط). فرض إجراءات مشددة داخل المنطقة الخضراء وملاحقة المطلوبين ورفع الحصانة عنهم يعطي مؤشراً على وجود إرادة لكسر “مراكز القوى” التي ظنت يوماً أنها فوق القانون.

إن المحك الحقيقي لنجاح هذه الهبة القضائية والأمنية لا يتوقف عند حدود الاعتقالات واستعراض الأموال المستردة، بل يكمن في تحويل هذه الملفات إلى أحكام قضائية قطعية، ومأسسة المحاسبة بحيث لا تفلت أي شخصية سياسية من العقاب بغض النظر عن ثقلها الحزبي. العراقيون اليوم لم يعودوا يكتفون بالوعود، بل ينتظرون استرداد كل دينار نُهب من قوت أجيالهم.

الإطار القانوني: كيف يواجه القضاء العراقي جرائم الفساد السياسي؟

لا تقتصر مواجهة الفساد على المداهمات والاعتقالات؛ إذ يستند القضاء العراقي في حملته الحالية (مثل القضايا المتعلقة بـعالية نصيف وغيرها) إلى حزمة من التشريعات الصارمة التي تم تغليظ عقوباتها لضمان استرداد أموال الشعب ومحاسبة المستغلين لنفوذهم الوظيفي.

تتوزع المواد القانونية المعتمدة في ملاحقة الفساد السياسي والمالي بين ثلاثة قوانين رئيسية:

1. قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم (30) لسنة 2011 (المعدل بالقانون رقم 30 لسنة 2019)

يُعد هذا القانون السلاح الأبرز في مواجهة تضخم ثروات السياسيين عبر مبدأ “من أين لك هذا؟”:

  • المادة (19/ ثانياً): اعتبر التعديل الأخير الكسب غير المشروع “جناية” بعد أن كان مجرد جنحة. ونصت المادة على عقوبة السجن مدة لا تقل عن 7 سنوات لكل مكلف (كالنواب والوزراء) يثبت عجز تبرير الزيادة في أمواله أو أموال زوجته أو أولاده بما يتجاوز $20\%$ سنوياً من مواردهم الاعتيادية.
  • إلزامية الرد والغرامة: لا تكتفي المحكمة بالسجن، بل تُلزم المدان بـ رد قيمة الكسب غير المشروع، مع فرض غرامة مالية تعادل قيمة ذلك الكسب.
  • شرط إطلاق السراح: استحدث القانون نصاً حاسماً يمنع إطلاق سراح المحكومين بعد انتهاء مدة سجنهم إلا بعد سداد كامل مبالغ الغرامات ورد الأموال المنهوبة، حتى وإن انقضت الدعوى بالوفاة فإن الأموال تُسترد من ورثته.
2. قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969

يحتوي قانون العقوبات على نصوص تقليدية أصيلة تُطبق بالتزامن مع قضايا الفساد الكبرى عند إحالتها إلى محاكم الجنايات:

  • المادة (340) – الإضرار العمدي بأموال الدولة: تعاقب بالملخص بالسجن مدة لا تزيد على 7 سنوات أو بالحبس كل موظف أو مكلف بخدمة عامة أحدث ضرراً عمداً بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل فيها أو الموكلة إليه.
  • المادة (331) – استغلال المنصب: تعاقب بالحبس وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل موظف أو مكلف بخدمة عامة ارتكب فعلاً بقصد الإضرار بمصلحة أحد الأفراد أو بقصد تحقيق منفعة شخصية على حساب الدولة.
  • المادة (307) – الرشوة: تعاقب بالسجن أو الحبس وبغرامة صلبة كل موظف أو مكلف بخدمة عامة طلب أو قبل لنفسه أو لغيره عطية أو وعداً لأداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عنه.
3. قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (39) لسنة 2015

بما أن الفاسدين يلجأون عادةً إلى تدوير الأموال المسروقة وإخفائها عبر واجهات تجارية أو مزارع أو عقارات (كما ظهر في قضية منزل نصيف وعقارات المقربين منها)، يتم تفعيل هذا القانون:

  • المادة (36): تعاقب على جريمة غسل الأموال الناجمة عن جناية (كالاختلاس والرشوة) بـ السجن مدة لا تزيد على 15 سنة، وبغرامة مالية لا تقل عن قيمة الأموال محل الجريمة ولا تزيد على ضعفها، بالإضافة إلى مصادرة الأموال والمتحصلات الجرمية المحجوزة.

خلاصة قانونية: إن تكييف التهم في القضايا الحالية يدمج بين جناية الكسب غير المشروع وجناية غسل الأموال والابتزاز الوظيفي، وهو ما يعني قانوناً أن المتورطين يواجهون عقوبات تراكمية قد تصل إلى السجن لمدد طويلة، والأهم من ذلك، مصادرة حتمية لكافة العقارات والمزارع والأموال السائلة التي ضُبطت بحوزتهم لصالح خزينة الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *