
الكاتب: المحامي حارث الوزان
تعتبر ظاهرة «الدين بالفايز» أو ما يُعرف فقهياً وقانونياً بـ المراباة الفاحشة، واحدة من أبرز الآفة الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد استقرار الأسر وتستغل حاجة الأفراد الملحة للأموال. وغالباً ما يلجأ المحتاجون إلى هذا النوع من القروض تحت ضغط الظروف المعيشية أو الطارئة، ليجدوا أنفسهم محاصرين بفوائد مركبة وفاحشة تنتهي في كثير من الأحيان بإفلاسهم أو تعرضهم للابتزاز وضياع ممتلكاتهم.
ولخطورة هذه الممارسات على الأمن المجتمعي والنظام العام، تصدى المشرع العراقي بحزم لهذه الجريمة من خلال النصوص العقابية الصارمة.
أولاً: المفهوم القانوني لجرائم الإقراض بالفائدة (المراباة)
يقصد بجريمة «الدين بالفايز» قيام شخص بإقراض شخص آخر مبالغ نقدية شريطة تقاضي فائدة مالية (سواء كانت ظاهرة ومعلنة في صلب العقد أو خفية ومستترة تحت مسميات أجور خدمات أو فوائد مركبة) تتجاوز الحد الأדنى أو المحظور قانوناً، مستغلاً في ذلك ضعف المقترض أو حاجته الشديدة.
ثانياً: النص القانوني للمادة 465 من قانون العقوبات العراقي
حسم المشرع العراقي الجدل حول هذه الممارسات عبر المادة (465) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل (والتي جرى تعديلها بموجب القانون رقم 63 لسنة 1976)، حيث نصت بوضوح على ما يلي:
«يعاقب بالحبس وبغرامة لا تزيد على ألف دينار، أو بإحدى هاتين العقوبتين، من أقرض آخر نقوداً بأي طريقة بفائدة ظاهرة أو خفية.»
كما تضمنت التشريعات والتعديلات المرتبطة تشديداً للعقوبة في حالات العود؛ لتصل إلى السجن المؤقت بما لا يزيد على عشر سنوات إذا ارتكب المقرض جريمة مماثلة للجريمة الأولى خلال ثلاث سنوات من تاريخ صيرورة الحكم الأول نهائياً.
ثالثاً: تحليـل الأركان القانونية لجريمة الإقراض بالفايز
لكي تقم الجريمة قانوناً وتثبت بحق المقرض، تتطلب توافر أركان أساسية يستند إليها القضاء العراقي في أحكامه:
- الركن المادي: ويتمثل في نشاط الإقراض المالي لأي مبلغ نقدي، واقتران هذا القرض بشرط أو واقعة تقاضي فائدة نقدية أو عينية، وسواء كانت هذه الفائدة «ظاهرة» ينص عليها صراحة في السندات أو الكمبيالات، أو «خفية» يتم الالتفاف حولها عبر كتابة صفقات صورية أو عقود بيع وهمية (كبيع العقارات أو السيارات بثمن بخس ضماناً للدين الفاحش).
- الركن المعنوي (القصد الجنائي): تتطلب الجريمة توفر القصد العام، وهو انصراف إرادة الجاني (المقرض) إلى إقراض المال مع علمه وتفرده باتفاق أو قصد استغلال حاجة المقترض للحصول على الفائدة المحظورة قانوناً.
رابعاً: التوجه القضائي والأمني المعاصر في العراق
في ظل التزايد الملحوظ لهذه الظاهرة وتفرع أساليبها، وجّه مجلس القضاء الأعلى في العراق محاكم التحقيق بمختلف درجاتها بإيلاء قضايا «الدين بالفايز» أقصى درجات الاهتمام والحزم، والتعامل معها باعتبارها جرائم تمس الاقتصاد الوطني والاستقرار المجتمعي، وتفعيل النصوص الرادعة بحق المرابين لقطع دابر هذه العمليات التي تتسبب غالباً في نزاعات عشائرية وجنائية خطيرة.
الخاتمة
إن «الدين بالفايز» ليس مجرد معاملة مالية غير مشروعة، بل هو فخ قانوني واجتماعي يدمر الروابط الإنسانية ويهدد الكيان الاقتصادي للأسر. لذا، حرص القانون العراقي عبر المادة 465 على إرساء قواعد ردع قوية لحماية الأطراف المستضعفة، مؤكداً على أن أي صيغة تعاقدية تخفي خلفها فوائد ربوية فاحشة ستواجه عقوبات قضائية صارمة تصل إلى الحبس والسجن المشدد.جريمة المراباة استنادا للمادة ٤٦٥ من قانون العقوبات العراقي
تعرض هذه المادة المرئية تفاصيل قانونية وإضافية حول كيفية تعامل القضاء العراقي مع قضايا المراباة والإقراض بالفائدة استناداً للمادة 465 من قانون العقوبات.
