
الكاتب: المحامي حارث الوزان
تعد جريمة تزوير الصكوك (الشيّكات) في القانون العراقي من الجرائم الخطيرة التي تمس بالثقة العامة والاستقرار المالي للتعاملات التجارية والمدنية. فالصك يُعد أداة وفاء تقوم مقام النقود في المعاملات، وأي عبث بحقيقته يؤدي إلى زعزعة الثقة بالمنظومة المصرفية ككل.
المفهوم والتكييف القانوني
التزوير في الصك هو تغيير الحقيقة فيه بقصد التقليب أو الإضرار بالغير، بطريقة تشعر المحرر أو المتلقي بغير الواقع.
ينقسم تزوير الصكوك في القانون العراقي إلى نوعين أساسيين:
- التزوير المادي: وهو الذي يقع على الأركان الشكليّة للصك، كالتغيير في المبلغ المدون (زيادة أو نقصان)، أو تحريف اسم المستفيد، أو تقليد توقيع الساحب (المحرر)، أو شطب وتعديل البيانات الجوهرية دون إذن.
- التزوير المعنوي: ويحدث أثناء إنشاء الصك، كأن يستغل شخص صكاً مُوقعاً على بياض للاتفاق على مبلغ معين فيقوم بكتابة مبلغ أكبر خلافاً لما تم الاتفاق عليه، أو تغيير التاريخ لتضليل الجهة المصرفية.
السند القانوني والعقوبة في التشريع العراقي
يتناول التشريع العراقي جريمة تزوير الصكوك عبر نصين قانونيين رئيسيين يكمل أحدهما الآخر:
1. قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل
يُصنف قانون العقوبات تزوير المحررات إلى محررات رسمية ومحررات عادية:
- الصك كمحرر عادي/تجاري: يُعامل الصك الصادر من الأفراد في أصل الأحكام كمحرر عادي، وتُطبق عليه المادة 295 من قانون العقوبات (عقوبة السجن مدة لا تزيد على 7 سنوات أو بالحبس).
- الصك كمحرر رسمي: إذا كان الصك صادراً من جهة حكومية أو دائرة من دوائر الدولة، أو تم تزوير توقيع/ختم موظف عام فيه، تُطبق أحكام تزوير المحررات الرسمية وفق المادة 289، وتصل عقوبتها إلى السجن مدة لا تزيد على 15 سنة.
2. قانون التجارة العراقي رقم 30 لسنة 1984
ينظم قانون التجارة أحكام ” الصك” باعتباره ورقة تجارية حمايةً لوظيفته الاقتصادية:
- يُعاقب بالحبس وبغرامة كل من أصدر صكاً أو تعامل به وهو يعلم بتزويره أو زيفه.
- يُفرق القانون بين إصدار صك بدون رصيد (المادة 459 عقوبات) وبين تزوير الصك نفسها؛ فالأول يتعلق بذمة الساحب المالية، بينما التزوير يتعلق بالمساس بحقيقة المحرر ذاته وتزييفه.
الأركان القانونية لقيام الجريمة
لا تتكامل جريمة تزوير الصك قانوناً إلا بتوافر ثلاثة أركان رئيسية:
- الركن المادي: قيام الفاعل بإحدى وسائل التزوير النص عليها قانوناً (كتغيير كتابة، أو تقليد توقيع، أو إضافة بيانات غير صحيحة) على الصك.
- الركن المعنوي (القصد الجنائي): توافر النية الجرمية لدى الفاعل، أي علمه التام بأنه يغير الحقيقة في الصك مع اتجاه إرادته لإحداث هذا التغيير واستعماله للإضرار بالغير أو جلب نفع غير مشروع.
- عنصر الضرر: أن يترتب على هذا التزوير محتمل أو محقق الوقوع على الذمة المالية للشخص المزوَّر عليه أو الجهة المصرفية أو المتعامل بالصك.
كيفية إثبات تزوير الصك أمام القضاء
يتطلب إثبات التزوير أمام المحاكم العراقية (محاكم التحقيق والجنح/الجنايات) إجراءات إثبات علمية وفنية دقيقة:
- الطعن بالتزوير: يحق للمتضرر أو للمدعى عليه الطعن بالتزوير في أي مرحلة من مراحل الدعوى.
- الإحالة إلى مديرية الأدلة الجنائية: تقوم المحكمة بإحالة الصك المطعون فيه إلى خبراء قسم أبحاث التزييف والتزوير التابع لمديرية الأدلة الجنائية لفحص التوقيع، والخط، ونوع الحبر، وبصمات الأختام مقارنة بـ “نماذج الاستكتاب” الرسمية للساحب.
- الشهادة والقرائن: تُعتبر التقارير الفنية للأدلة الجنائية هي الحاسمة في القضية، بالإضافة إلى شهادات الشهود والقرائن المصرفية (مثل كشوفات الحساب وسجلات السحب).
حماية الصكوك وتوخي الحذر عند تحريرها أو التعامل بها يُعد الجدار الأول للوقاية من الوقوع ضحية لجرائم التزوير، كما أن الوعي بالإجراءات القانونية يكفل للمتضرر استرداد حقوقه وملاحقة العابثين بالأوراق التجارية أمام القضاء العراقي.
