يُفترض بالسلطة التشريعية أن تكون الحارس الأول للدستور وأن تمارس وظيفتها في إطار احترام نصوصه وروحه ومقاصده غير أن الواقع الدستوري في كثير من الدول، كشف عن نمط خطير من الانحراف التشريعي لا يقوم على مخالفة الدستور صراحة بل على الالتفاف عليه عبر ما يُعرف بـ التحايل التشريعي، ويمثل هذا السلوك تهديداً حقيقياً لمبدأ سمو الدستور، لأنه يُفرغ النصوص الدستورية من مضمونها مع الإبقاء على مظهر الالتزام الشكلي بها.
ويقصد بالتحايل التشريعي هو لجوء السلطة التشريعية إلى سنّ قوانين أو إدخال تعديلات تبدو منسجمة ظاهرياً مع أحكام الدستور، لكنها في حقيقتها تهدف إلى تعطيل نص دستوري أو الالتفاف على مبدأ دستوري أو الانتقاص من حق أو ضمانة كفلها الدستور ولا يتحقق التحايل التشريعي بمخالفة حرفية للنص الدستوري، بل يتحقق عندما يُنتج التشريع أثراً عملياً يتعارض مع روح الدستور ومقاصده.
ومن أهم صور التحايل التشريعي هو إصدار التشريعات المنظمة للحقوق والحريات بالشكل الذي لا يمس جوهر الحق والحرية فحسب بل يودي الى إعدامهما، حيث نلاحظ ان اغلب الحقوق والحريات التي نص عليها الدستور قد جاءت معها عبارة ” تنظم بقانون” وان الفكرة الفقهية التي أراد الدستور ايصالها هو تنظيم الحقوق والحريات بالشكل الذي يسهل ممارستها دون الأضرار بالآخرين الا ان التشريع المُنظم لهذه الحقوق يأتي بإجراءات معقدة، أو يحدد المشرع ممارسته بآجال قصيرة أو تعجيزية أو يفرض التشريع على المواطن الحصول على موافقات عديدة ليمارس هذا الحق وهنا تظهر صورة التحايل التشريعي على النصوص الدستورية لان الحق سيكون مُقر نظريا في الدستور الا انه مُعطل واقعيا.
ومن الصور الأخرى للتحايل التشريعي هو استخدام عبارات فضفاضة ومطاطية مثل المصلحة العامة أو عند الضرورة أو الظرف الاستثنائي وغيرها من العبارات التي تترك الباب مفتوحاً للتفسير الواسع الذي قد ينتهك الحقوق والحريات واحيانا العبارات الفضفاضة لا تطال الحق فقط وإنما حتى إجراءات ممارسته مثلا عبارة ” ويتم وفق الآلية التي تحددها السلطة المختصة ” حيث إن منح السلطة التنفيذية صلاحية لاتخاذ ما يلزم لتنفيذ التشريع دون أن تكون العبارات واضحة ودقيقة يؤدي الى ما يسمى بالغموض التشريعي وهو أخطر انواع التحايل التشريعي لانه سوف يسمح بتجاوز القوانين والحقوق بحجة حماية المصلحة العامة أو بحجة عدم وجود آلية محددة كما ينتج عن هذا الغموض أثر خطير للغاية وهو إرباك القضاء لأن المحكمة تجد صعوبة في تطبيق نص غير محدد بدقة ويصبح تفسيره مرهونًا بالسلطة التنفيذية.
ومن صوره ايضا التوسع في الاستثناءات على حساب القاعدة الدستورية حيث ان النصوص الدستورية تقرر مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وفق المادة ١٦ من الدستور النافذ وثم يصدر تشريع يفتح باب الاستثناءات ويشرعن التعيين مثلا خارج الضوابط او يكرّس الامتيازات لفئات محددة دون ضرورة فالاستثناء هنا يتحول إلى قاعدة، والقاعدة الدستورية تُفرغ من مضمونها.
وقد يكون التحايل بإعادة تشريع نصوص سبق الحكم بعدم دستوريتها فبعد صدور حكم من المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية نص معين يتم إعادة سنّه بصياغة مختلفة مع الإبقاء على ذات الأثر القانوني وتجاهل العلة الدستورية للحكم السابق هذا يُعد تحايلاً تشريعياً صريحاً على القضاء الدستوري أو عن طريق الامتناع التشريعي عن تنفيذ نص دستوري مثلا نص دستوري يُحيل إلى قانون ينظّم حقاً أو هيئة معينة، لكن لا يُشرّع القانون او يُؤجَّل لسنوات دون مبرر فالتحايل هنا بالصمت، وهو أخطر من المخالفة الصريحة.
في العراق لا ننكر وجود الكثير من هذه الممارسات الا ان القضاء ارسى من خلال أحكامه مبادئ مهمة من أبرزها سمو الدستور باعتباره هو القانون الأعلى ولا يجوز لأي تشريع أن ينتقص من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأن العبرة بالغاية والأثر لا بالصياغة الحرفية، وان تنظيم الحقوق يجب أن يهدف إلى تيسير ممارستها لا إلى إفراغها من مضمونها واعتبر القضاء الامتناع غير المبرر عن تنفيذ النصوص الدستورية أو تعطيلها إخلالاً بمبدأ المشروعية، وهذه المبادئ تمثل سلاحاً دستورياً مهماً في مواجهة التحايل التشريعي.
حيث ان احترام الدستور لا يتحقق بمجرد تجنب مخالفته نصاً بل يقتضي الالتزام بروحه ومقاصده. والتحايل التشريعي وإن بدا أقل صدامية من الانتهاك الصريح إلا أنه أشد خطورة لأنه يهدم الدستور من الداخل. ومن ثم فإن حماية الدستور تستلزم تشريعاً صادقاً وقضاءً دستورياً يقظاً وإرادة سياسية تحترم سمو الدستور باعتباره أساس الشرعية لا مجرد وثيقة مكتوبة.
