جريمة اعطاء صك مزور وفق المادة 459/3 من قانون العقوبات العراقي

الكاتب: المحامي حارث الوزان

تعتبر الأوراق التجارية، وعلى رأسها الصك (الشيك)، عصب التعاملات المالية والتجارية في السوق العراقية، كونها تمثل أداة وفاء تجري مجرى النقود. ونظراً للأهمية البالغة التي تحظى بها هذه الأوراق في استقرار الائتمان، فقد أحاطها المشرع العراقي بحماية جنائية مشددة.

تعد جريمة تزوير الصكوك من الجرائم المخلة بالثقة العامة والاقتصاد الوطني، لما لها من أثر مباشر في زعزعة أمن المعاملات التجارية. نوضح في هذا المقال أبعاد هذه الجريمة في ضوء قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، والتطبيقات القضائية لمحكمة التمييز الاتحادية.

1. الإطار القانوني لجريمة تزوير الصكوك في القانون العراقي

تناول المشرع العراقي أحكام التزوير بصفة عامة في المواد (295/1 إلى 298) من قانون العقوبات العراقي. وحيث إن الصك يُصنف قانوناً باعتباره “محرراً عادياً (عرفياً)”، فإن تزويره يخضع بصفة عامة لأحكام تزوير المحررات العرفية.

إلا أنه بالنظر لخطورة الصكوك وتأثيرها المباشر على المنظومة المصرفية، أفرد المشرع العراقي حكماً خاصاً ومشدداً لتزوير الصكوك بموجب الفقرة الثالثة من المادة 459 من قانون العقوبات العراقي  والتي نصت على:

“يعاقب بالسجن المؤقت وبغرامة تعادل عشرة أضعاف قيمة الصك المزور أو المسروق على أن لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار كل من زور صكاً أو استخدم صكاً مسروقاً وهو على علم بذلك”.

وبموجب هذا النص، رفع المشرع العراقي وصف الجريمة من “جنحة” (وهي العقوبة المعتادة لتزوير المحررات العرفية وفق المادة 295) إلى “جناية” عقوبتها السجن المؤقت (الذي تتراوح مدته قانوناً بين أكثر من 5 سنوات إلى 15 سنة).

2. أركان الجريمة

لا تقوم جريمة تزوير الصكوك في القانون العراقي إلا بتوافر ثلاثة أركان أساسية:

أولاً: الركن المادي

ويتمثل في نشاط الجاني الذي يؤدي إلى تغيير الحقيقة في الصك بإحدى الطرق المادية أو المعنوية المحددة قانوناً، ومن أبرز صورها في الواقع العملي:

  • تقليد أو تزوير توقيع الساحر: وضع توقيع يوهم إدارة المصرف بأنه يعود لصاحب الحساب الحقيقي.
  • تعديل البيانات (التحريف المادي): كالشطب، أو الكشط، أو إضافة أرقام أو كلمات ترفع من قيمة الصك المالية (تحويل مبلغ 5 ملايين دينار إلى 50 مليوناً مثلاً).
  • اصطناع صك بالكامل: تزوير ورقة الصك بأكملها ونسبتها كذباً إلى مصرف معين.

ثانياً: الركن المعنوي (القصد الجنائي)

تعد هذه الجريمة من الجرائم العمدية، ويشترط لقيامها توفر القصد العام (علم الجاني بأنه يغير الحقيقة في الصك بإرادته الحرة)، والقصد الخاص (نيته في استخدام الصك المزور للإضرار بالغير وتحقيق كسب غير مشروع).

ثالثاً: ركن الضرر

يجب أن يكون من شأن تغيير الحقيقة في الصك إحداث ضرر مادي أو معنوي، سواء وقع هذا الضرر فعلياً على صاحب الحساب أو المستفيد، أو كان محتمل الوقوع (كالضرر الذي يلحق بالثقة العامة في المعاملات المصرفية).

3. تطبيقات من قرارات المحاكم العراقية (محكمة التمييز الاتحادية)

تزخر المدونات القضائية العراقية بالعديد من المبادئ والقرارات الصادرة عن محكمة التمييز الاتحادية، والتي تساهم بشكل دقيق في رسم الحدود الفاصلة لتطبيق العقوبة، والتفريق بين جريمة التزوير وجريمة الاستعمال:

أ. التلازم والتفريق بين جريمة التزوير وجريمة الاستعمال

استقرت أحكام القضاء العراقي على أن تزوير الصك شيء، واستعمال الصك المزور شيء آخر. فإذا ثبت أن المتهم هو من قام بالتزوير بنفسه واستعمل الصك، عوقب بعقوبة التزوير باعتبار الاستعمال نتيجة حتمية للفعل الأصلي. أما إذا لم يثبت قيامه بالتزوير، ولكن ثبت تسليمه للصك المزور للمصرف مع علمه المسبق بتزويره، فإنه يُدان بجريمة الاستعمال وفق المادة 298 عقوبات.

قرار محكمة التمييز الاتحادية (العدد 110/جنايات/1987):

“إن جريمة استعمال المحرر العادي المزور على النحو الوارد بيانه في المادتين 298 و295 من قانون العقوبات ينبغي أن يتوفر فيها ركنان هما: العلم بالتزوير، وتحقق الضرر. فإذا لم يتوفر العلم لدى المتهم بكون المحرر (الصك) مزوراً، تنعدم الجريمة بحقه لانتفاء القصد الجنائي”.

ب. حجية التقارير الفنية (أدلة الإثبات)

تعتمد المحاكم العراقية (محاكم الجنايات والجنح) بشكل جوهري في إثبات تزوير الصكوك على التقارير الفنية الصادرة عن مديرية الأدلة الجنائية (مكتب فحص الخطوط والوثائق)، حيث يعتبر التقرير الخبير الفني دليلاً حاسماً في استظهار الركن المادي للجريمة.

من مستقر قضاء محكمة التمييز في العراق:

إذا جاء تقرير خبراء الأدلة الجنائية قاطعاً بأن التوقيع المثبت على الصك لا يعود للساحب (صاحب الحساب)، وأن الخطوط والتحشية في الصك تعود للمتهم المستفيد، فإن ذلك يوفر للمحكمة القناعة الكافية لإدانة المتهم وفق المادة 459/3 من قانون العقوبات، شريطة توفر قرائن تسليم الصك واستخدامه من قبله.

4. التمييز بين الصك المزور والصك بدون رصيد

من الأخطاء الشائعة خلط البعض بين جريمة تزوير الصك وجريمة إعطاء صك بدون رصيد:

  • الصك بدون رصيد (المادة 459/1): يكون الصك صحيحاً والتوقيع سليماً وصادراً من صاحب الحساب فعلاً، ولكنه يعطي الصك وهو يعلم بأنه ليس لديه مقابل وفاء (رصيد) كافٍ في المصرف وقت التحرير. (الوصف القانوني: جنحة).
  • الصك المزور (المادة 459/3): الصك هنا معيب في أصل حقيقته، فإما أن التوقيع ليس لصاحب الحساب، أو أن البيانات جرى التلاعب بها غشاً دون علم الساحب. (الوصف القانوني: جناية).

5. خاتمة وسياج الحماية القضائية

تتعامل المحاكم العراقية بصرامة بالغة مع قضايا تزوير الصكوك، لاسيما في ظل توجه الدولة والبنك المركزي العراقي نحو تفعيل أدوات الدفع الإلكتروني والحد من التعاملات النقدية الورقية. فالحماية التي يفرضها القضاء عبر تفعيل عقوبات السجن المؤقت والغرامات التي تعادل عشرة أضعاف قيمة الصك، تمثل سياجاً منيعاً لحماية الاقتصاد الوطني وحفظ حقوق المتعاملين في الأسواق العراقية من بطش المزورين والمحتالين.

إذا كنت ترغب في الاطلاع على شرح مرئي ومزيد من التفاصيل القانونية حول الفروقات الجوهرية بين حالات الصكوك في القانون العراقي، يمكنك مشاهدة هذا الفيديو:

جريمة الصك المزور والصك بدون رصيد استنادا للمادة ٤٥٩ من قانون العقوبات العراقي

يقدم هذا المقطع شرحاً قانونياً وافياً ومبسطاً من قبل متخصص، يوضح فيه المواد القانونية والآليات الإجرائية المتبعة أمام المحاكم العراقية عند التعامل مع قضايا الصكوك المزورة وتلك التي بدون رصيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *