
الكاتب: المحامي حارث الوزان
لم يعد السارق بحاجة إلى أن يمدّ أصابعه في جيب الضحية لسرقة المال؛ فمع التحوّل الواسع إلى نظام البطاقات والمحافظ الرقمية بات الطريق إلى المال أسهل مما كان. فلم تعد الجريمة تتطلّب كسر خزنة، ولا التسلل إلى المنازل ليلاً، ولا حتى مواجهة الضحية وتعريض الجاني نفسه للخطر. حيث انتقلت السرقة إلى فضاءاتها الرقمية، وصارت تُمارَس عبر الشاشات والأجهزة الذكية، ويكفي خطأ بسيط أو بيانات مسرّبة لتُفتح أمام المحتال أبواباً لا تحتاج إلى مفاتيح.
ضحايا هذه الجرائم ليسوا فقط من الأفراد قليلي الخبرة، بل أصبحت النخب هي الهدف الأكثر شيوعا لدى محترفي الاحتيال الرقمي. فأساتذة الجامعات، والمحامون، والأطباء، بل وحتى المتخصصون في الجوانب التقنية أنفسهم لم تنجح معارفهم الرقمية في حمايتهم من شِراك المتصيّدين الإلكترونيين. وفي واقعنا العملي، نتلقى عددا متزايدا من الشكاوى من ضحايا تعرّضوا لسرقة أرصدة بطاقاتهم البنكية بطرق احتيالية بالغة الدقة والإقناع.
ويمرّ المحتال الرقمي عبر الجسر الاجتماعي الذي يربط الضحية بأقاربه وأصدقائه؛ فيبدأ بتهكير حساباتهم وصفحاتهم الشخصية، ثم يعبر من خلال هذه الروابط الجسرية الاجتماعية الموثوقة نحو ضحايا جدد. وهكذا تتحوّل شبكة العلاقات الاجتماعية إلى مسارٍ سهل التسلّل، يوسّع من خلاله المحتال دائرة الاستهداف ويستولي على مزيد من الأموال دون أن يثير الشك.
وهنا المحتال او السارق لا يلجأ لأسلوب سرقة كلمات المرور للدخول للحسابات بل يلجأ لأسلوب الهندسة الاجتماعية فيستخدم الفاعل اسماء وهويات موثوقة من جانب الضحية كأقربائه وأصدقائه للوصول لحساباته والجاني لا يلجأ لاختراق جهاز الضحية بل يستخدم اسلوب اختراق عقل الضحية وايهامه بانه يتعامل مع شخص موثوق وليس مجهولا، فالثغرات النفسية اسهل بكثير من الثغرات التقنية والوقاية من هذا النوع للجرائم تحتاج اليقظة المستمرة وعدم الوثوق باي رسالة تصل من اي صديق او قريب يطلب تحويل أرصدة او مبالغ الا من خلال اتصال هاتفي والتأكد من انه ليس محتالا ماليا ينتحل شخصية مقربة من الضحية.
وهذه الجريمة من الجرائم المستحدثة لم ينص عليها صراحة في قانون العقوبات العراقي وانما اخذ القضاء على عاتقه تكييف الجريمة حسب ظروف ارتكابها فمنها جرائم يستخدم فيها الفاعل التكنولوجيا للوصول الى معلومات الضحية (المجني عليه) وهنا تكون الجريمة كاملة الاركان وتتجه نحو جرائم السرقة وتكيف الجريمة وفق المادة 446 من قانون العقوبات حسب اجتهاد المحكمة كون الجريمة من الجرائم الالكترونية ويعاقب عليها بالحبس او الغرامة
وبعض الجرائم يستعمل الفاعل طرق احتيالية للحصول على المعلومات التي تمكنهم من اختلاس المال المنقول المملوك للغير (الرصيد) وهنا تكيف الجريمة على انها من جرائم الاحتيال وفق المادة 456 من قانون العقوبات العراقي ويعاقب عليها بالحبس حسب ظروف الجريمة وطريقة ارتكابها
وان جريمة سرقة الرصيد من البطاقات الالكترونية من الجرائم التي اخذت جانبا كبيرا من اجتهاد محكمة التمييز والقضاء العراقي الموقرين
