الصك كأداة ضمان وتطبيقاته في القضاء العراقي

الكاتب: المحامي حارث الوزان

تُعد الأوراق التجارية من الأركان الأساسية للتجارة والمعاملات المالية اليومية، وفي مقدمتها الصك (الشيك) الذي صممه المشرّع ليحل محل النقود في الوفاء الفوري بالالتزامات.إلا أن الواقع العملي يعكس ممارسة شائعة تُعرف بـ “صك الضمان”، حيث يلجأ المتعاملون لإصدار صكوك ليس لغرض الاستيفاء الفوري، بل لتأمين تنفيذ عقد أو ضمان دين مؤجل.

تثير هذه الممارسة إشكالات قانونية بين طبيعة الصك التشريعية وتطبيقات القضاء العراقي بشقيه المدني والجزائي.

أولاً: الطبيعة القانونية للصك في التشريع العراقي

وفقاً لأحكام قانون التجارة العراقي رقم 57 لسنة 1984 المعدل، أقر المشرع مبدأً ثابتاً بشأن الورقة التجارية:

  1. أداة وفاء لا أداة ضمان:الصك مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع عليه (المادة 156)، ولا يحمل تاريخ استحقاق مؤجل كما هو الحال في السند لأمر (الكمبيالة) أو الحوالة التجارية.
  2. بطلان الشروط المعلقة:يعتبر القانون أي بيان يُكتب على الصك ويجعله معلقاً على شرط أو يسلبه صفة الوفاء الفوري (كعبارة “حرر للضمان”) كأن لم يكن، مع بقاء الصك صحيحاً ومستحق الدفع فوراً.

ثانياً: اتجاه القضاء العراقي حول “صك الضمان”

استقرت محكمة التمييز الاتحادية والمحاكم العراقية بمختلف درجاتها على التمسك بالطبيعة القانونية الصارمة للصك، حمايةً للثقة المالية والنظام الاقتصادي:

1. القضاء الجزائي (إصدار صك بدون رصيد – المادة 459 عقوبات)

  • القصد الجنائي وركن الجريمة:يرى القضاء الجزائي أن الدفع بكون الصك قُدم على سبيل “الضمان” لا ينفي الجريمة ولا يُسقط المسؤولية الجزائية عن الساحب.
  • تكامل الجريمة:بمجرد تحرير الصك وتوقيعه وتسليمه للمستفيد مع العلم بعدم وجود رصيد كافٍ أو قابل للسحب، تتوافر أركان الجريمة الموجبة للعقاب بموجب المادة 459 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969.
  • عدم الأخذ بالدفوع الجانبية:لا تعتد المحاكم بالاتفاقات الشفهية أو الخطية الجانبية التي تدعي أن الصك حرر للضمان، وتعتبر الصك أداة وفاء بمجرد تقديمه للمصرف.

2. القضاء المدني ومحاكم البداءة

  • إلزامية الوفاء:تُقضي المحاكم بدفع قيمة الصك المدونة فيه لصالح المستفيد متى ما ثبت توقيع الساحب، ودون الالتفات لدفع الساحب بكون الصك أداة ضمان، ما لم يستطع إثبات براءة ذمته بالوفاء.
  • الاستثناء النادر (فقدان الصفة التجارية):في حالات استثنائية جداً ورسّخها القضاء التمييزي، إذا تضمن الصك ذاته شرطاً صريحاً ومعلقاً ومكتوباً بوضوح يفرغه تماماً من خصائصه التجارية، فقد يفقد قوته كأداة وفاء تجارية ويتحول إلى سند دين مدني يخضع للقواعد العامة للإثبات.

خلاصة

إن الموقف القضائي العراقي حاسم وشديد الوضوح: “الصك أداة وفاء تقوم مقام النقود، وليست أداة ضمان”.وإصدار صك للضمان دون رصيد كافٍ يضع الساحب تحت الملاحقة الجزائية والتنفيذ المدني المباشر، مما يتطلب من المتعاملين في السوق العراقية تجنب استخدام الصك لغير الغاية التي شرّع لأجلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *