
الكاتب :المحامي حارث الوزان
يُعدّ الصك (الشيك) أحد أهم الأوراق التجارية التي يعتمد عليها الأفراد والشركات في التعاملات المالية اليومية. ومع انتشار استخدام الصكوك في الأسواق العراقية، كثيراً ما يثار تساؤل قانوني وجهل عملي حول إمكانية تقديم الصك كـ “ضمان” للتزامات مستقبلية أو عقود معينة بدلاً من كونه وسيلة دفع فورية.
تتجه المحاكم العراقية، بمختلف درجاتها وفي مقدمتها محكمة التمييز الاتحادية، بوضوح وثبات نحو إقرار مبدأ قانوني صارم: الصك أداة وفاء فقط، ولا يكون أداة للضمان مطلقاً تحت أي ظرف قانوني.
الموقف التشريعي في قانون التجارة العراقي
استند القضاء العراقي في اتجاهه الصارم إلى أحكام قانون التجارة العراقي رقم (30) لسنة 1984 المعدل، والذي حدد الطبيعة القانونية للصك ووظيفته الاقتصادية بشكل لا يقبل التأويل:
- مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع: نصت المادة (156) من قانون التجارة على أن الصك يكون مستحق الوفاء بمجرد الاطلاع عليه. وأي بيان يخالف ذلك (كأن يُكتب عليه أنه للضمان أو معلق على شرط) يُعدّ كأن لم يكن، ولا يؤثر على صحة الصك كأداة وفاء فورية.
- بطلان الشروط المعلقة: اعتبر القانون أن إعطاء الصك وظيفة مستقبليّة أو رهن وفائه بشرط غير محقق هو إلغاء لطبيعته التجارية التي أرادها القانون كبديل مستقر عن النقود.
اتجاه القضاء الجزائي (المادة 459 من قانون العقوبات)
في الدعوى الجزائية المتعلقة بإصدار صك بدون رصيد وفق المادة (459) من قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969:
- الدفع بكون الصك للضمان لا ينفي الجريمة: يقر القضاء الجزائي العراقي استقراراً ثابتاً بأن ادعاء الساحب (محرر الصك) بكون الصك قد سُلّم للمستفيد على سبيل “الضمان” أو لتأمين تنفيذ عقد لا يمنع من قيام الجريمة، ولا يُسقط المسؤولية الجزائية.
- توافر القصد الجنائي: مجرد تحرير الصك وتوقيعه وتسليمه للمستفيد مع العلم بعدم وجود رصيد كافٍ أو قابل للسحب في تاريخ التقديم يُعد جريمة مكتملة الأركان. ويرى القضاء أن سوء النية يتوفر بمجرد إصدار ورقة تحمل صفة الصك دون وجود مقابل وفاء لها.
اتجاه القضاء المدني ومحاكم البداءة
أما على مستوى المحاكم المدنية ومحاكم البداءة ومحاكم الاستئناف:
- استبعاد الدفع بالضمان: يُعدّ ادعاء المدعى عليه بأن الصك أُعطي كضمان “دفعةً حريّة بالرد ولا سند لها من القانون”.
- إلزامية الوفاء: تُقضي المحكمة بإلزام الساحب بدفع قيمة الصك المدونة فيه متى ما ثبت توقيعه عليه وقدمه المستفيد، دون الالتفات إلى أي اتفاقات شفاهية أو جانبية تسعى إلى سلب الصك صفته التجارية كأداة وفاء موجبة للتمويل الفوري.
لماذا يصر القضاء العراقي على منع استخدام الصك كضمان؟
يرجع هذا الاتجاه القضائي الحاسم إلى عدة أسباب موضوعية واقتصادية:
- حماية النظام الاقتصادي والثقة المالية: الصك صُمم ليكون بديلاً آخراً للنقود ورصيداً متداولاً بين المتعاملين؛ وتحويله إلى ورقة ضمان يضعف الثقة بالتعاملات التجارية.
- منع المماطلة والتحايل: تحويل الصك إلى أداة ضمان يفتح الباب أمام المماطلين للتهرب من أداء التزاماتهم المالية بحجة انتظار شروط الضمان.
البدائل القانونية الصحيحة للضمان في القانون العراقي
للأطراف الراغبة في توثيق الديون أو ضغوط الالتزامات المستقبلية، أتاح القانون العراقي وسائل وأوراقاً قانونية مخصصة للضمان بدلاً من الصكوك، منها:
- الكمبيالة (السند لأمر): أداة إثبات دين مؤجلة تدعم الضمان ويمكن استيفاؤها في تاريخ استحقاق محدد.
- عقود الرهن والكفالة: الكفالة الشخصية أو الرهن العقاري والمنقول وفق أحكام القانون المدني العراقي.
- خطابات الضمان المصرفية: التزامات يصدرها المصرف لصالح المستفيد لتأمين حسن تنفيذ العقود والالتزامات.
الخلاصة
إذا قدمت صكاً لأي شخص أو جهة تحت مسمى “الضمان”، فإن المحاكم العراقية لن تعترف بهذا المسمى اطلاقاً؛ وستتعامل مع هذا الصك باعتباره أمراً بالدفع الفوري. وفي حال عدم وجود رصيد، سيواجه الساحب التبعات الجزائية والمدنية كاملة. فالصك في النظرية والتطبيق القضائي العراقي أداة وفاء فورية تقوم مقام النقود، وليست أداة ضمان بأي حال من الأحوال.
